الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
175
تفسير روح البيان
قيد فهم اسرى تُفادُوهُمْ اى تخرجوهم من الأسر بإعطاء الفداء والمفاداة تجرى بين الفادي وبين قابل الفداء وَهُوَ مبتدأ اى الشان مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ محرم فيه ضمير قائم مقام الفاعل وقع خبرا عن إخراجهم والجملة خبر لضمير الشان وذلك ان اللّه تعالى أخذ على بني إسرائيل في التوراة ان لا يقتل بعضهم بعضا ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه وأعتقوه وكان قريظة والنضير من اليهود أخوين وكذا الأوس والخزرج وهم أهل شرك يعبدون الأصنام ولا يعرفون القيامة والجنة والنار والحلال والحرام فافترقوا في حرب شمر ووقعت بينهم عداوة فكانت بنو قريظة معينة للأوس وحلفاءهم اى ناصريهم والنضير معينة للخزرج وحلفاءهم فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قريظة مع الأوس والنضير مع الخزرج يظاهر كل قوم حلفاءهم على إخوانهم حتى يتسافكوا الدماء وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم منها وبأيديهم التوراة يعرفون ما فيها مما عليهم ومالهم فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدى قريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم وافتدى النضير ما كان في أيدي الأوس منهم من الأسارى فعيرتهم العرب بذلك وقالوا كيف تقاتلونهم وتفدونهم فقالوا أمرنا ان نفديهم وحرم علينا قتالهم قالوا فلم تقاتلونهم قالوا انا نستحيى ان يستذل حلفاؤنا فذمهم على المناقضة وتلخيصه أعرضتم عن الكل الا الفداء لان اللّه تعالى أخذ عليهم أربعة عهود ترك القتل وترك الإخراج وترك المظاهرة عليهم مع أعداهم وفداء أساراهم فاعرضوا عن الكل الا الفداء أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وهو الفداء والهمزة للانكار التوبيخي والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام اى أتفعلون ذلك فتؤمنون ببعض الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ هو حرمة القتال والإخراج مع أن قضية الايمان ببعضه الايمان بالباقي لكون الكل من عند اللّه داخلا في الميثاق فمناط التوبيخ كفرهم بالبعض مع ايمانهم بالبعض فَما جَزاءُ نفى اى ليس جزاء مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ اى الكفر ببعض الكتاب مع الايمان بالبعض مِنْكُمْ يا معشر اليهود حال من فاعل يفعل إِلَّا خِزْيٌ استثناء مفرغ وقع خبرا للمبتدأ اى ذل وهو ان مع الفضيحة وهو قتل بنى قريضة وأسرهم واجلاء بنى النضير إلى أذرعات وأريحا من الشام وقيل هو أخذ الجزية فِي الْحَياةِ الدُّنْيا صفة خزى ولعل بيان جزائهم بطريق القصر على ما ذكر لقطع أطماعهم الفارغة من ثمرات ايمانهم ببعض الكتاب واظهار انه لا اثر له أصلا مع الكفر بالبعض وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يوم تقام فيه الاجزية يُرَدُّونَ اى يرجعون والرد الرجع بعد الاخذ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ هو التعذيب في جهنم وهو أشد من خزيهم في الدنيا وأشد من كل عذاب كان قبله فإنه ينقطع وهذا لا ينقطع وفي الحديث ( فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة ) وانما كان أشد لما ان معصيتهم كانت أشد المعاصي : وفي المثنوى هر كه ظالم تر چهش باهولتر * عدل فرموده است بدتر را بتر وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ بساه عَمَّا تَعْمَلُونَ من القبائح التي من جملتها هذا المنكر اى لا يخفى عليه شئ من أعمالهم فيجازيهم بها يوم البعث تهديد شديد وزجر عظيم عن المعصية وبشارة